حيدر حب الله
137
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
في الخلق وفي جميع الحقائق أيضاً ، وراجعوا كلمات المفسّرين والنحاة المعربين لكتاب الله ، لتجدوا طبيعة الفهم اللغوي في هذه الآيات . وفي هذه الآية كلام كثير لا يفسح المجال لنا بتناوله ، ولو أردنا جعلها عامّة مطلقاً لكان يفترض أخذها في مساق التعليل بقانون عام ، مثل أن يقول : إنّكم تكرهون الحقّ ، والأكثر يكره الحقّ ، فالجملة الثانية جاءت في مساق بيان قانون عام ، يجعل الجملة الأولى من مصاديقه ، وهذا غير ما نحن فيه ، فتأمّل جيداً . قد تقول : على هذا سوف يكون القرآن خاصّاً بعصر النبيّ فقط ، ولن نخرج باستنتاجات عامّة منه ! وهذا ليس صحيحاً ، فكما أنّ آيات القصص القرآني وبعض آيات وقائع العصر النبوي نأخذ منها الكثير من العبر رغم حكايتها عن وقائع جزئيّة وتوصيفات جزئية لأقوام ، لكنّ هذا لا يعني أنّ كلّ ما جاء فيها يصبح بياناً لتوصيفٍ بشري عام ، فمثلًا قوله تعالى : ( الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ ( التوبة : 97 - 101 ) . فهل نستطيع الحديث عن منافقين من أهل المدينة اليوم لأجل هذه الآية القرآنية مثلًا أم أنّ هذه الآيات نزلت في وقائع خاصّة ، لكنّنا نستطيع أخذ العبر والدروس منها في إطار القضيّة المهملة لا في إطار توصيف عام ؟ وهكذا الحال